سعيد حوي
3659
الأساس في التفسير
5 - بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ قال ابن كثير : ( وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال : جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم - فأنزل الله وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا الآية ، وكذا رواه النسائي ، وأصله في الصحيحين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال « اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف » وروى ابن أبي حاتم عن وهب بن عمر ابن كيسان قال : حبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء : ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله ؟ فقال وهب : نحن في طرف من عذاب الله ، والله يقول : وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ قال : وصام وهب ثلاثا متواصلة ، فقيل له ما هذا الصوم يا أبا عبد الله ؟ قال أحدث لنا فأحدثنا : يعني أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة ) . كلمة في السياق : بعد المجموعة الأولى التي حددت صفات من يسارع إلى الخيرات ، وبينت أن التكليف بحسب الطاقة وأن بعض القلوب في غمرة من مثل هذه الخصائص ، وأعمال أصحابها سيئة ، جاءت هذه المجموعة المبدوءة ب حَتَّى والمنتهية ب حَتَّى والتي ذكر فيها نوعان من المنبهات : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ الأولى افتتحت بها المجموعة . والثانية ختمت بها المجموعة . والذي أفهمه أن الله عزّ وجل أشار في الآيتين إلى نوعين من العذاب : عذابا يخص به ، وعذابا يعم به . وكنموذج على العذابين في زمن النبوة : ضربة بدر ، إذ أصابت في الغالب المترفين ، ثم تسليط القحط على قريش حتى أكلوا الوبر بالدم . وكنموذج على العذابين في بلاد الإسلام : أن سلط الله الأنظمة المتطرفة على المترفين أولا ، ثم عم بعذاب هذه الأنظمة الأمة . ففي العذاب الأول لا نرى أحدا يتعظ ، وفي العذاب الثاني ييأس الناس . وفي ذكر هذين النوعين من العذاب تخليص للمسلم المؤمن من الغمرة إن أصابته ، وفيما بين العذابين ذكر الله الأدلة ، ووجه النظر ، وأقام الحجة على الإيمان لاستخراج العمل الصالح ، والآن تأتي مجموعة تذكر بفعل الله للإنسان ، وصلة ذلك بقضية اليوم الآخر ، والرد على من أنكره ، وفيها أوامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتختم المجموعة بكلمة حَتَّى كما ختمت المجموعة السابقة .